استلقت على سريرها، وهي لا تقو على النوم. وأخذت تحدق في وجه القمر عبر النافذة وكأنها مأسورة بنوره الهادئ الغامض المتسلل إلى وحشة وسكون غرفتها
كانت تسمع والديها وأخوتها يتناقشون ويتضاحكون من خلف الباب، وهي هنا بالداخل لا تجرؤ على مغادرة سريرها، أو الخروج إلى نور الصالة، أو الخروج من ذاتها. من حزنها. من حدادها. لم تعد تحسب كم مر من الساعات والأيام والشهور، والسواد يصبغ حياتها. بهت وهج وجهها المشرق المتبسم أبدا. انطفأ نور عينيها الخضراوين الصافيتين. خمدت طاقتها للحياة
الحياة؟ وكيف تكون بدونه؟ ما معناها؟ ما طعمها؟ ما رائحتها؟ ما شكلها؟ كيف تستعد لاستقبال عام جديد؟ كيف تحتفل في الغد مع الأقارب والأصدقاء بليلة رأس السنة؟ كيف تبدأ سنة جديدة بدونه؟
بدونه؟! لا
واتاها فجأة شعور أشبه باليقين أنها ستراه بالغد. نعم حتما سأراه! سألبس ذاك الثوب الذي أحضرته منذ زمن بعيد وكنت أدخره لمناسبة خاصة قبل أن نفترق. نعم سأرتدي هذا الثوب. لابد أن أكون رائعة في عينيه غدا. ياه كم مضى من وقت منذ آخر مرة رأيته؟ عام؟ لا بل أقل من العام قليلا. لكنه يبدو دهرا! لا يهم الآن. سأراه غدا. سأراه. سأراه
غمرها رضى عجيب ليس له ما يبرره؛ فقد مرت خلال العام مناسبات كثيرة كان من الممكن أن تراه فيها. لكنه كان صارما في قراره بالابتعاد عنها. يعلم معظم تحركاتها؛ فقد كان لهما الكثير من الأصدقاء المشتركين. وكان يتفادى تماما الأماكن التي ترتادها
نامت نوما هادئا تلك الليلة. ونهضت في اليوم التالي كلها نشاط وحيوية. فتحت النافذة، وسمحت للهواء والشمس بالدخول إلى الحجرة. ارتدت ملابسها وذهبت إلى العمل. أنجزت من المهام في ذلك اليوم أضعاف ما تنجزه في العادة. خرجت من العمل وذهبت إلى مصفف الشعر. طلبت منه أن يعتني بشعرها عناية خاصة. اقترح عليها صبغه باللون الأحمر القاني
سيكون رائعا مع بشرتك البيضاء، وخضار عينيك
أعجبتها الفكرة فقد أرادت أن تبهره. نادت على خبيرة التجميل، وطلبت إليها أن تزينها. اهتمت بكل التفاصيل كما لو كانت عروس تستعد لزفافها، وكما لو كانت تتزين له لأول ولآخر مرة، فقد علمت أنه تقدم لخطبة أخرى، ويستعد للزواج منها. لكن لا. لا، مستحيل أن يكون قد أحبها مثلي! ربما يعدل عن قراره.. ربما يعود إلى صوابه.. ربما.. ربما أنا التي فقدت صوابها. لا. كفى. لن أفكر في تلك الأشياء المحبطة. الوقت يجري، وموعد الحفل قد اقترب
وصلت إلى مكان الحفل الذي كان قد امتلأ بالناس. كان قلبها يخفق بشدة وهي تستعد للدخول إلى القاعة، وكاد أن يتوقف حين وقعت عينيها عليه
إنه هنا! في وسط القاعة
كان أول من تقع عليه عينيها رغم أن القاعة كانت تعج بكل معارفها
يا إلهي! إنه هو! ماذا أفعل؟! إنه ينظر إليّ.. آه.. ها هم أصدقائي، سأهرب إليهم. يا إلهي، إنه يلحق بي! يريد أن يسلم على! ياه.. كم سلامه حلو، كم اشتقت ليديه تصافح يدي! آه.. من هذه؟ إنها هي. إنها تتقدم نحونا. ياه.. كم هي جميلة! تبدو لطيفة. ها هما يرقصان. يبدوان سعيدين. أما أنا، فسأرقص وحدي وأدور.. وأدور.. وأدور

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s